ترى أماندا روز، أستاذة علم النفس بجامعة ميزوري، أن بعض الأشخاص يميلون باستمرار إلى تحويل المحادثات نحو أنفسهم ومشكلاتهم، وهو سلوك قد يبدو للآخرين أنانيًا أو غير حساس، لكنه قد يرتبط في بعض الحالات بالاكتئاب والاجترار الفكري، وفقًا لأبحاث تناولت ظاهرة «التركيز على الذات في المحادثات».
نشرت روز مقالًا على موقع سايكولوجي توداي استعرضت فيه نتائج أبحاثها بالتعاون مع ريبيكا شوارتزميت من جامعة مين، موضحة أن التركيز المفرط على الذات قد يدفع الآخرين إلى الابتعاد، ما يزيد مشاعر الرفض والاكتئاب ويخلق حلقة مفرغة يمكن كسرها.
عندما تتحول المحادثة إلى حديث عن الذات
تعرّف الباحثتان «التركيز على الذات في المحادثات» بأنه ميل الشخص بصورة متكررة إلى إعادة توجيه الحديث نحو نفسه، حتى عندما يتحدث الطرف الآخر عن مشكلة أو تجربة شخصية.
وتستشهد روز بمحادثة أجرتها مع صديقة بعد إخبارها بتشخيص إصابتها بسرطان الثدي. فبعد أن أخبرت صديقتها بالأمر، سارعت الأخيرة إلى الحديث عن عدم إجرائها فحصًا للثدي منذ فترة وعن إصابة جدتها بالسرطان، ثم واصلت الحديث عن ضرورة حجز موعد مع الطبيب، بينما لم تجد صاحبة الخبر مساحة للحديث عن علاجها.
وتوضح روز أن هذا النوع من المحادثات قد يجعل الطرف الآخر يشعر بأن تجربته لم تحظَ بالاهتمام الكافي، حتى إن العلاقة نفسها قد لا تصمد أمام هذا النمط المتكرر من التواصل.
وفي إحدى الدراسات، راقب الباحثون أصدقاء مراهقين يتحدثون عن مشكلات شخصية لمدة نحو 15 دقيقة، وسجلوا عدد المرات التي يعيد فيها أحد الطرفين توجيه الحديث إلى نفسه بعد مشاركة صديقه مشكلة.
وأظهرت النتائج أن بعض المشاركين كانوا يعيدون توجيه المحادثة نحو أنفسهم بصورة متكررة للغاية، ووصلت النسبة لدى أحد المراهقين إلى 94% من المرات التي شارك فيها صديقه مشكلة.
لماذا يركز بعض الأشخاص على أنفسهم؟
تقول روز إن الأمر المحير في هذا السلوك أن أهداف الشخص قد تتناقض مع نتائجه؛ فهو يبحث عن الاهتمام والتأكيد والدعم، لكنه يتصرف بطريقة تدفع الآخرين إلى الابتعاد عنه، وبالتالي يحرم نفسه من الدعم الذي يسعى إليه.
وقد يرتبط هذا السلوك لدى بعض الأشخاص بالاكتئاب، وفقًا لنظرية التفاعل بين الأشخاص والاكتئاب التي طورها عالم النفس جيمس كوين في سبعينيات القرن الماضي.
وتشير النظرية إلى أن الأشخاص المصابين بالاكتئاب قد يميلون إلى الإفصاح المكثف والمتكرر عن مشكلاتهم الشخصية، ما يجعلهم يركزون بصورة أكبر على معاناتهم خلال التفاعلات الاجتماعية.
كما يلعب الاجترار الفكري دورًا مهمًا في هذه العملية. فعندما يشعر الإنسان بالحزن أو القلق أو اليأس، قد يستمر في التفكير في مشكلاته وأعراضه السلبية بصورة متكررة، حتى عندما يحاول التوقف عن التفكير فيها.
ومع اجتماع الاكتئاب والاجترار، قد تضيق نظرة الشخص إلى العالم ويصبح منشغلًا بدرجة كبيرة بمشكلاته الخاصة، فلا يملك مساحة ذهنية كافية للانتباه إلى مشاعر الآخرين واحتياجاتهم.
وتشير الدراسات التي أجرتها روز وزملاؤها على المراهقين والبالغين إلى أن الأشخاص الذين يظهرون مستويات مرتفعة من التركيز على الذات أثناء المحادثات يعانون مستويات أعلى من الاكتئاب مقارنة بمن لا يظهرون هذا السلوك.
الرفض الاجتماعي يعمق دائرة الاكتئاب
قد يؤدي التركيز المستمر على الذات إلى نتيجة عكسية لما يريده الشخص؛ فبدلًا من الحصول على الدعم، قد يدفع سلوكه الأصدقاء أو الشركاء إلى الشعور بالإرهاق والإهمال، ومن ثم الابتعاد عنه.
وتظهر هذه المشكلة بصورة خاصة في العلاقات العاطفية، حيث يلجأ الأشخاص عادة إلى شركائهم للحصول على الدعم. وقد يحاول الشريك في البداية الاستماع والمساندة، لكنه قد يشعر بمرور الوقت باستنزاف عاطفي وبأن العلاقة لا تترك مساحة كافية لمشكلاته واحتياجاته.
وأظهرت أبحاث روز أيضًا أن المشكلة تظهر في الصداقات؛ إذ وصف أصدقاء الأشخاص الذين يركزون على أنفسهم علاقاتهم بأنها أقل جودة، كما شعروا بأنها تتدهور مع مرور الوقت. وبدأ بعضهم في تجنب اللقاءات الشخصية أو عدم الرد على الرسائل.
وقد يكون هذا الرفض أكثر قسوة على شخص يعاني الاكتئاب بالفعل، إذ يمكن أن يؤدي فقدان دعم شريك عاطفي أو فرد من العائلة أو صديق مقرب إلى تفاقم الأعراض، ثم يدفع الشخص إلى البحث عن الدعم في علاقة أخرى، لتبدأ الحلقة من جديد.
ولكسر هذه الحلقة، تنصح روز الشخص بمراقبة مقدار حديثه عن مشكلاته مقارنة بالموضوعات الأخرى، والانتباه إلى المساحة التي يمنحها للطرف المقابل للتعبير عن أفكاره ومشاعره.
كما تدعو إلى ملاحظة المقاطعات وطريقة انتقال الحديث بين الطرفين، ومحاولة طرح المزيد من الأسئلة بدلًا من إعادة الحديث إلى الذات، إلى جانب تخصيص أوقات محددة للحديث عن المشكلات وطلب الدعم.
وتشير إلى أن الاستعانة بمتخصص نفسي قد تكون مفيدة للأشخاص الذين يجدون أنفسهم غارقين باستمرار في مشكلاتهم ومشاعرهم السلبية.
أما إذا كان الشخص الذي يركز على ذاته صديقًا أو فردًا من العائلة، فتوصي روز بإجراء محادثة صريحة معه، ووضع حدود واضحة بشأن الوقت والمساحة المخصصين للاستماع إلى مشكلاته، مع الحفاظ على التعاطف معه دون إهمال الاحتياجات الشخصية للطرف الآخر.
وتؤكد الباحثة أن التعامل مع هذه المشكلة يحتاج إلى قدر من التعاطف مع الذات ومع الآخرين، لأن الشعور بالفهم والدعم يمثل حاجة إنسانية أساسية، مشيرة إلى أن الخطوات الصغيرة نحو تغيير طريقة التواصل قد تكون بداية لكسر الحلقة بين التركيز على الذات والرفض والاكتئاب.
https://www.psychologytoday.com/us/blog/between-us/202305/but-enough-about-me-what-do-you-think-of-me

